يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

149

بهجة المجالس وأنس المجالس

رأى الرشيد رؤيا فهمّته ، فوجّه في الكرماني بريدا ، فلما أتاه ومثل بين يديه خلا به وقال : بعثت فيك لرؤيا رأيتها . فقال : وما هي ؟ قال : رأيت كلبين ينهشان قبل جارية من جوارىّ . فقال له الكرماني : ما رأيت إلا خيرا يا أمير المؤمنين ، فقال له الرشيد : قل ما تراه وهات ما عندك ، فقال له : هذه جارية دعوتها لتجامعها ، وكان لا عهد لك معها بذلك ، وكانت ذات شعر ، فكرهت أن تحلق فتجد أثر الموسى ، وكرهت أن تبقى على هيئتها ، فأخذت جلما « 1 » فحلقت بعض الشعر وتركت بعضه ، فأشار الرشيد إليه بالقعود ، وقام فدخل إلى نسائه ، ودعا بتلك الجارية فسارّها مستفهما منها عن ذلك ، فأقرّت به وصدّقت الكرماني ، فخرج إليه الرشيد ، فقال له : أصبت وسررتنى ، وأمر له بصلة سنيّة ، ثم قال له : إياك أن تحدّث بها ما كنت حيّا . قال : فو اللّه ما حدّثت بها ما دام الرشيد حيا . قال الزّبير : حدثني أبو ضمرة أنس بن عياض ، قال : قيل لجعفر بن محمّد : كم تتأخر الرؤيا ؟ فقال : رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كأن كلبا أبقع « 2 » يلغ في دمه ، فكان « 4 » شمر بن ذي الجوشن « 3 » قاتل الحسين رضى اللّه عنه ، وكان أبرص ، فكان « 4 » تأويل الرؤيا بعد خمسين سنة .

--> ( 1 ) الجلم : ما يجز به الشعر أو الصوف ، وفي ح . جلمين . ( 2 ) البقع . نقط سوداء وبيضاء في الجلد . ( 3 ) شمر بن ذي الجوشن بن قرظ الضبابي الكلابي ، من كبار قتلة الحسين ، كان في أول أمره من ذوى الرئاسة في هوازن ، موصوفا بالشجاعة ، وشهد يوم صفين مع علي ، ثم قام في الكوفة يروى الحديث إلى أن كانت الفاجعة بمقتل الحسين فكان مع من قتله ، ولما قام المختار بتتبع قتلة الحسين ، هرب شمر إلى خوزستان ففوجئ فيها برجال المختار يتقدمهم عبد الرحمن بن أبي الكنود الذي تمكن منه وقتله وألقيت جثته للكلاب سنة 66 ه . انظر الأعلام 3 / 254 والمراجع التي في هامشه . ( 4 ) ساقط من ا .